Type to search

مدفع رمضان .. إرث تاريخي متوارث عبر الأجيال

رئيسي منوعات

مدفع رمضان .. إرث تاريخي متوارث عبر الأجيال

Share

 تعددت الرويات حول بدايات استخدام مدفع رمضان كوسيلة لتعريف الناس بموعد افطارهم في شهر رمضان المبارك، وهذا التقليد تم استخدامه في كثير من البلدان العربية حيث يقوم الجيش في البلد بإطلاق قذيفة صوتية من المدفع بلحظة غياب الشمس لإعلان انتهاء وقت الصيام في رمضان.

كما تم استخدام المدفع لإعلان وقت الإمساك عن الطعام بعد السحور، ولكن معظم الناس لا يعرفون متى بدأ هذا التقليد وما هي قصة استخدام المدفع في شهر رمضان.

المصريون أول من استخدم مدفع رمضان

لمعرفة القصة وراء استخدام المدفع، أجرى خبراء الأثار المصريون أبحاثا حوله ومنهم الخبير المصري عبد الرحيم ريحان حيث قال إنه على الرغم من وجود الكثير من المساجد والمآذن في القاهرة إلا أن الصائمين اعتادوا على ارتباط وقت إفطارهم أو إمساكهم بسماع صوت طلقة المدفع الصوتية، حيث عرفت مدينة القاهرة مدفع الإفطار في عام 859 للهجرة في العصر المملوكي (1439 ميلادي)، فكانت مدينة القاهرة أول مدينة تستخدم وسيلة مدفع رمضان عند الغروب لإعلان الإفطار.

ويقول الخبير المصري في علم الآثار إن ظهور المدفع واستخدامه جاء عن طريق الصدفة وذلك في أول أيام شهر رمضان من عام 859 هجري حيث كان الوالي بمصر في تلك الفترة هو والي مملوكي اسمه خوشقدم وكان قد حصل على المدفع كهدية من مالك مصنع ألماني، فأمر الوالي بتجربة المدفع وصادفت تجربته وقت غروب الشمس فظن الناس في مدينة القاهرة أن ذلك هو إعلان لهم للإفطار.

وفي اليوم التالي لهذه الحادثة الجديدة توجه الشيوخ من الحارات والطوائف إلى منزل الوالي لكي يشكروه على هديته لأهل مدينة القاهرة، وعندما سمع الوالي هذه القصة شعر بالإعجاب فيها وأمر أن يتم إطلاق مدفعه الجديد كل يوم من أيام شهر رمضان على موعد غروب الشمس، واستمرت هذه القصة حتى يومنا هذا، تبعا للدراسات التي أجراها عالم الآثار الدكتور علي الطايش وهو أستاذ فنون وآثار من كلية الآثار بجامعة القاهرة في مصر.

ما هو مدفع الحاجة فاطمة؟

يدرس الباحث في علم الآثار المصرية، د. عبد الرحيم ريحان، روايات كثيرة ذكرها في دراسته عن مدفع الإفطار في شهر رمضان، وإحدى الدراسات كانت عن المدفع الذي ارتبط اسمه بالحاجة فاطمة.

ففي عام 859 للهجرة، وعندما توقف المدفع الذي تم إطلاقه من قبل الوالي المملوكي خوشقدم كتجربة للمدفع، ذهب الأعيان والعلماء لمقابلة السلطان والطلب منه أن يستمر عمل المدفع ولكن لم يجدوه، فالتقوا بزوجته التي كانت تسمى الحاجة فاطمة، ونقلت حينها طلبهم إلى السلطان فوافق على ذلك، ومن هنا ارتبط اسم المدفع الأول لإعلان الإفطار في شهر رمضان باسم الحاجة فاطمة واستمر ذلك إلى الآن وفقا لدراسات علماء الآثار المصريين.

مدفع محمد علي الكبير

تتعدد الروايات التي تحكي عن بداية مدفع رمضان، على الأقل في ما يخص الوالي الذي بدأ التقليد، حيث يقول الدكتور ريحان إن هناك رواية مشهورة حول ظهور مدفع الإفطار في شهر رمضان، وتقول الرواية إن والي مصر في تلك الفترة محمد علي الكبير كان قد اشترى مدافع حربية متطورة بعدد كبير وذلك ضمن خطته لبناء جيش قوي في مصر.

وذات نهار من أيام شهر رمضان كانت تقوم الاستعدادات لتجربة أحد تلك المدافع فانطلق صوته القوي مدويا في نفس لحظة الغروب والأذان من فوق قلعة القاهرة فظن الصائمون أن هذا المدفع هو تقليد جديد، وفرحوا به ثم ذهبوا إلى الحاكم ليطلبوا منه أن يستمر بإطلاق المدفع في شهر رمضان على وقتي السحور والإفطار فوافق الحاكم وأصبح إطلاق الذخيرة الحية من المدفع بشكل يومي مرتين من الظواهر الرمضانية المرتبطة بالمصريين في كل سنة.

مكان مدفع رمضان في القاهرة

ويكمل الدكتور عبد الرحيم ريحان قائلا إن مدفع شهر رمضان استمر حتى عام 1859 ميلادي ولكن بسبب امتداد العمران حول مكان تواجد المدفع بجانب القلعة ونتيجة ظهور جيل حديث من المدافع التي تطلق ذخائر غير حقيقية توقف استخدام الذخيرة الحية، حيث انتشرت شكاوي عديدة حول تأثير الذخائر الحية على أبنية القلعة في ذلك الوقت، لذا تم نقل مدفع رمضان إلى نقطة الإطفاء في منطقة قريبة من الأزهر، ليتم أيضا نقله مرة ثالثة لمنطقة تدعى البعوث بجوار جامعة الأزهر.

استخدام المدفع في مصر لمناسبات أخرى

أكد الخبير في علم الآثار المصرية أنه حتى وقت قريب كان يوجد في مدينة القاهرة ستة مدافع موزعة على أربعة مواقع؛ اثنان منهما في القلعة واثنان في منطقة العباسية وواحد في منطقة مصر الجديدة والأخير في منطقة حلوان، يتم إطلاقها جميعها في نفس الوقت من أماكن القاهرة المختلفة.

الغاية من ذلك هي أن يسمعها كل السكان، وكانت المدافع تخرج في صبيحة أول أيام شهر رمضان لتأخذ أماكنها السابقة، حتى أصبحت تخرج في خمس مناسبات في السنة وهي:

ويقول الدكتور عبد الرحيم ريحان خبير الآثار إن تقليد استخدام مدفع شهر رمضان توقف في بعض السنين نتيجة الحروب مما أدى إلى إهمال هذا التقليد حتى سنة 1983 حيث تم إصدار قرار من وزير داخلية مصر يقضي بإعادة إطلاق مدفع رمضان مرة أخرى فوق قلعة صلاح الدين الأيوبي الأثرية الموجودة في جنوب مدينة القاهرة.

لكن استمرت الشكاوى من علماء الآثار حول تدهور بناء القلعة وتأثر أحجارها بسبب الصوت أو الضغط القوي للمدفع، فتم نقله من القلعة لمكان آخر نظرا لوجود عدة معالم أثرية هامة في تلك المنطقة.

انتشار مدفع رمضان في دول أخرى

بعد ظهور تقليد مدفع رمضان في مصر قديما بدأ انتشار استخدامه في بلدان عديدة لعل أولها بلاد الشام، حيث تبنته معظم أقطارها كالقدس ودمشق وغيرها من المدن.

ثم انتقل استخدامه أيضا إلى مدينة بغداد بأواخر القرن 19، ثم أخذ ينتشر استخدامه في الخليج العربي بدايةً بمدينة الكويت في سنة 1907، حتى وصل إلى كافة أقطار الخليج العربي، ثم وصل استخدامه لمناطق واسعة من المغرب العربي وشرق أوروبا حينما كانت أجزاء كبيرة منها تابعة للدولة العثمانية، وصولا لإفريقيا ودول عديدة من آسيا.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *